عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
325
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
فسخرية ديك الجنّ ليست مثيرة للدهشة أو الغرابة بل أصبحت وسيلة جذب وإثارة ، لأنّها تخرج الأمور عن الطبيعة المألوفة التي اعتادها النّاس . لاشك أنّ ما يظهر من الشاعر من استهتار ببعض القيم الدينية لا يعدّ موقفاً فكريّاً منه بل هو امتداد لهجائه السياسي للسلطة الحاكمة التي سبّبت خفّة الروح الدينية في المجتمع . هذه الأبيات التي قدمناها كأمثلة للهجاء السياسي تنبّهنا إلى ظاهرة جديدة في هجاء القرن الثاني وأوائل القرن الثالث وهى « اهتمام الشعراء بتركيز هجائهم على الانحراف الديني عند المهجوّ » . « 1 » كان ديك الجن مخلصاً أشدّ الإخلاص لدينه وكان دائم الحرص على الحضّ على التمسك بدين الله لما فيه من فائدة ومتعة . فقد عبّر عن شعوره هذا تعبيراً عنيفاً فانتقد فساد عصره الديني أعنف نقد وصوّر ما شاع في عصره من ارتكاس الشؤون الدينية . رغم المكانة العالية لشعراء الشيعة في عالم الأدب ، ورغم نتاجاتهم الغزيرة ، إلا إنهم لم يحظوا بالقسط العادل من الاهتمام . وكانت هناك محاولات لطمس معالم شخصياتهم الشعرية . ولعل من الأسباب الرئيسية وراء ذلك سيطرة الحسابات السياسية والطائفية على الدوافع الموضوعية ، فلقد أرادت السلطة العباسية أن يظهر شعراء الشيعة الذين يتعارضون مع سياساتها المعادية للإسلام غير متدينين . كان ديك الجنّ أحد أكبر شعراء العصر العباسي وكان ذا عزّة نفسٍ يناضل الظلم والطغيان . لقد عاش في عصر ثمانية من خلفاء بني العباس مثل المهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل . والملاحظة الهامّة في حياته هي أنّه لم يقترب من هؤلاء ولم يقل بيتاً واحداً في مديحهم . لم يمدحهم ولم يقبل ضيمهم وآثر الموت على الحياة المقرونة بالذلة والهوان . اسمعه يقول : « 2 » لا تَقِفْ لِلزَّمانِ فِي مَنْزِلِ الضَّيْ - * - مِ وَلا تَسْتَكنْ لِرِقَّةِ حالِ
--> ( 1 ) - هدارة ، ص 426 . ( 2 ) - ديك الجن ، الديوان ، ص 207 .